جديد حكايات الشتاء المخيفة

الأمور في قريتنا اتخذت منحنًا جديدًا، الحرائق الغامضة مازالت تندلع من بيت لآخر، الفزع يسيطر على الجميع، قام الأهالي بطلب حضور المحافظ ومدير الأمن، قاموا بقطع الطريق من وإلى القرية حتى تتم استجابة مطالبهم، عربات المطافئ وسيارات الإسعاف تنتشر، وعدد من رجال الأمن، خرج الجميع من منازلهم ووقفوا في الشوارع متأهبين لأي شيء قد يحدث.

تحكي سيدة أنها كانت تقف في محلها إذ عبر أحد المارة ليسألها: “هل ما زالت الحرائق قائمة؟” فردت بالإيجاب فأخبرها أنها ستستمر حتى تصل إلى سبعين بيتًا إذا لم يتم دفع الفدية، تحكي السيدة التي انهارت في نوبة بكاء وصراخ أن الرجل العابر اختفى من أمامها في غمضة عين!


الخوف يحكم القرية، بعض الناس قاموا بنقل أثاث منازلهم تحسبًا لأي شيء.


مآذن المساجد ترفع الآذان مرة تلو الأخرى، بعضهم قام بتشغيل القرآن الكريم، في نفس الوقت قام البعض بترديد تكبيرات العيد من خلال مكبرات الصوت، يقولون أن أحدهم اتصل بالشيخ أحمد عبده عوض طالبًا منه النصيحة فأخبره أن على المساجد ترديد الآذان مائة مرة!


الشوارع تعج بالسائرين بلا وجهة والهلع على وجوههم وكأنهم شخصيات خيالية استيقظت للتو من إحدى الروايات الأسطورية ينتظرون -خائفين- المعركة القادمة.

حكايات الشتاء المخيفة

أمسى الناس في قريتنا الهادئة لا حديث لهم سوى عن الحرائق الغامضة التي تجتاح بيوتها، بدأ الأمر منذ عدة أشهر حين احترق بيت ما وانطفأ الحريق من تلقاء نفسه، يتحدث الكثيرون بثقة عن الجن الذي قام بتحضيره أحد أفراد المنزل المحترق ولم يستطع صرفه، القصة التقليدية التي يقرر فيها الجن الانتقام، تمضي الأيام تباعًا والبيت نفسه يحترق مرة بعد الأخرى، ينتقل الحريق إلى البيت المجاور، يروي أغلبهم الحكاية مؤكدًا أن السيارة التي حملت بعض الشيوخ القادمين من المدينة ليحصنوا البلدة قد تعطلت في الطريق، أن خراطيم عربات الإطفاء تفرغ من الماء في تلك اللحظة التي يبدأ فيها رجال الإطفاء مهمتهم، أنهم عندما يحاولون دخول المنزل تستحيل الأبواب فجأة جدرانًا، يقولون أن سبعين بيتًا آخرين ستنالهم النيران الغامضة، وفي سكون وحذر يترقب الجميع ما سيحدث.

مع كل ما يحدث ثمة موقف عابر لا أستطيع تنحيته عن ذاكرتي، كنت أنتظر لقاء شخص ما في محل لألعاب الكمبيوتر والانترنت، ألقيت نظرة على المكان، كان جميع الجالسين مراهقين يلعبون إلا واحد، كان يتصفح أحد المنتديات على الانترنت، ما لفت انتباهي كان اسم المنتدى الغريب الذي كتب بخط كبير، لا اتذكر الاسم الآن، لكنه كان دالاً على أمور الأعمال السفلى والسحر الأسود، في البدء ظننته مولعًا بسلسلة ما وراء الطبيعة ويرغب في الاستزادة من المعلومات التي يقدمها العجوز رفعت إسماعيل في حكاياته، لكن الطريقة التي كان يتلفت بها حوله قبل أن يقوم بإخراج هاتفه ليأخذ بعض اللقطات لصفحات المنتدى وعناوين المواضيع التي كان يفتحها كانت مريبة بلا شك.

لا أحاول تبرير أمر أو دحضه، إنما أريد التحدث قليلاً، في الشتاء عادة يطول الليل، والليل يحب السُمَّار، والسمر يحلو إذا ما استطاع التغلغل للنفس البشرية ليضعها تحت مجهر الغرائز البدائية كالخوف من المجهول، قديمًا عندما كنا أطفالاً كنا نجتمع عند تلك السيدة التي تحكي لنا حكايات عن النداهة التي تطوف القرى ليلاً توقظ الناس من مهاجعهم لتذهب بهم إلى أرض المجهول حيث لا يعودون من هناك أبدًا، تحكي لنا عن الجنّية التي قتلت ثلاثة أطفال في شم النسيم عندما جذبتهم في الترعة، تحكي وتحكي وتحكي حتى يتملكنا الرعب ولا نقوى حتى على العودة إلى منازلنا أو دخول الحمام، ذات مرة ظنناها هي النداهة وتمعنا جيدًا في قدميها ولما لم تكونا كقدمي العنزة خُفنا أكثر إذ ظننا أنها هي صاحبة ذلك الإدعاء الذي ربما تحاول به صرف الشبهة عن نفسها!

أما وقد كبرنا الآن، فمازلنا نسهر في ليالي الشتاء نتسامر عن الجن والعفاريت وحكايات الحرائق الغامضة التي تنتقل من بيت لآخر ونخاف، بالتأكيد كرجال يجب عليهم أن يكونوا صامدين أمام محن الحياة ومسئولياتها وتعاقب الأيام والأحوال ربما نحتاج لتلك الحكايات لنعبر فيها -ببساطة شديدة ودون أي تعقيد- أننا “خائفون”، من كل مجهول، دون أن يلومنا أحد على ذلك.

كتابة من أجل الكتابة

في بورسعيد كل شيء ساكن، في القاهرة كل الصخب، والصخب والزحام والعشوائية يولدون الأفكار، أما الهدوء والنظافة والجمال فيساعدون في كتابتها. وما من أمر أحب إلى الكاتب من أن يندس بين البشر ليلاحظ تصرفاتهم ويحاول فهم دوافعهم وتحليل شخصياتهم ثم ينزوي في ركن بعيد ليكتب عنها.
***
في طريق السفر تولد مئات القصص وعليه تلقى حتفها، وفي سابقة من نوعها تحول السفر إلى بلاد السمسمية حيث ظلام الليل يبرز ضوء البدر في السما ليتلألأ على صفحات المياة على الجانبين لمغامرة قلما تحدث.
***
قُطِعَ السكون بجسم غريب ظهر من العدم أمام سيارة الأجرة التي أستقلها، تفاداها السائق العجوز بخبرة من لاقى تجاربًا أهول من ذلك، بعدها لاحظنا أن سيارة نقل البضائع أمامنا تتساقط منها الصناديق واحدًا تلو الآخر، فيما بدا أن سائقها لم يلاحظ بعد ولم يزل يطوي الطريق طيًا نحو وجهته، سارع سائقنا ليلحق به وينبهه لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة!
***
“عربيته عَفيّه، هعمل ايه!”.. قالها يائسًا فحمّسناه، “فلوس الناس عمالة تقع ع الأرض.. حرام!”، تابع مطاردته محاولاً تفادي الصناديق المتساقطة، قلّب الأنوار مرارًا وتكرارًا بلا فائدة،”تلاقيه فاكر إني عاوز أعديه وبيعند معايا.. شوف بيجري إزاي!”، لحق به أخيرًا وهَمَّ أن يحدثه لكن الآخر ازداد جنونه وانطلق مخلفًا الدخان والهواء واليأس في وجوهنا.
***
على هذا النحو استمرت المطاردة إلى أن لحقنا به قبل مدخل المدينة بقليل، أخبره السائق أن ثلاثة أرباع حمولته ملقاه على الطريق خلفه، ثم تجاوزه متنفسًا الصعداء ولم نره مرة أخرى.
***
ربما ارتاح السائق أخيرًا بعدما أدى واجبه، لكن الكاتب لا يقنع من القصة بتلك النهاية بل يتساءل ماذا فعل السائق الآخر؟ هل عاد كل تلك المسافة يلتقط حمولته من على الأرض؟ هل عاد في الاتجاه نفسه أم انحرف إلى الاتجاه المقابل؟ في إحدى الحالتين سيواجه خطورة السيارات القادمة باتجاهه وفي الأخرى سيواجه صعوبة رؤية أشياءه، وفي الحالتين سيلاقي خطر التقاطها من على الأرض بمفردة، خاصة مع كل هذا الظلام والسيارات المسرعة.. هل تراه استكمل طريقه وتحمل العواقب؟ وماذا عن السيارات الأخرى؟ هل تمكن كل سائقوها من تفادي عثرات الطريق كما فعل سائقنا العجوز الخبير؟
***
عشرات الأسئلة تولد لتخلق مئات السيناريوهات التي قد يخلو الكاتب إلى نفسه مفضلاً إحداها على البقية ليكتبه ويكمل السيناريو الذي أتمته الحياة بعيدًا عن ناظريه.

صفي السباب

المشكلة في شبكات التواصل الاجتماعي ليست مشكلة الشبكات الإلكترونية نفسها بل في التواصل الاجتماعي بين أفراد الفجوة بينهم عميقة، لا يهم إن اتخذ هذا التواصل وسائط الكترونية أو واقعية كالمواصلات والجلسات العائلية وغيرها، لأننا في تلك الحالة نتعامل مع ثقافات وأفكار وعادات مختلفة يحملها بشر مختلفون يتناقشون لتقريب وجهات النظر حينًا ويتعاركون لفرضها حينًا. الفارق الحقيقي هنا هو أن العراك الواقعي قد يكون أخف وطأة من نظيره الإلكتروني ففي الأول يسهل الفصل بين طرفي المعركة قبل أن تتفاقم المشكلة، أما في الثاني فليس ثمة وسيلة مناسبة للتوسط بينهما، خاصة أن كل طرف يستدعي رفاقه أو يأتون متطوعين لمساندته دون اعتبار للتوقيت أو لمكان أي منهم، في النوع الأول تقول ما تقول وتذهب لحال سبيلك وربما تفكر طيلة الليل في الكلمات الأنسب التي كان ينبغي عليك قولها كي تنال من خصمك وتتركه في حالة يصعب عليه فيها الرد، بينما في النوع الثاني تأخذ كل الوقت الذي تحتاجه لاختيار كلماتك وحججك وتجهيز كل العتاد اللازم للمعركة. وهذا مما منح العراك الإلكتروني طبيعة أشرس من نظيره الواقعي وإن كان في أسوء الحالات لا يصل لإلحاق أضرارًا بدنية بالمتعاركين.
عدم تفهم الاختلاف والاعتداد بالنفس وأمية الحوار تسببت في ندرة النقاشات الهادفة لتقريب الأفكار واستبدالها بمعارك يغلب عليها السب والتهكم والإيذاء النفسي. وفيما تعج شبكات التواصل الاجتماعي بتلك النوعية من معارك الصوت العالي لا يجد من بقي لديهم ذرة من التعقل والرغبة في عبور حواجز اليوم بسلام وسكينة إلا أن يلوذوا بما تبقى من إنسانيتهم في ركنٍ قصيٍ كي لا تنال منهم قذائف الألسنة المتمركزة في كل مكان.

الثقب الأسود

صباح الخير

يبدو إن فنجان القهوة اللي شربته امبارح عشان يودي الصداع خد معاه الصداع والنوم، ويبدو إن محاولات الجري الصباحي لم تؤدي الغرض المطلوب من استنفاذ الطاقة وإحلال النوم كبديل لائق للفرهدة خاصة بعد دش المياة الساقعة فخلينا نحكي عن الولا حاجة شوية يمكن تجيب نتيجة

في إبتدائي كان مدرس العلوم له الفضل علينا في اكتشاف الكهربا الاستاتيكية في جسمنا عن طريق تجربة حك القلم الفرنساوي في راسنا وتقريبه من قطعة ورقة صغيرة عشان نلاقيه بيجذبها وننبهر بما يليق بأطفال في سن التجربة الأولى على الرغم إنه مقالش وقتها إن دي كهربا استاتيكية إنما دي دليل على وجود الحشرات في الشعر وده كان كافي إن محدش مننا يعيد تنفيذ التجربة قدام حد، كان له الفضل علينا بردو في سن المراهقة لما فتح صالة بلاي ستيشن وبلياردو وتنس طاولة وأتاري وكان بمثابة ملجأ لينا بنزوغ له من الدروس وقبلها وبعدها ونصرف فيه كل فلوسنا ونقعد نعمل شفرة منتخب العالم ونقلد المذيع كل مرة يقول فيها “باتيس-توو-تتااا” ونضحك.. لكن الفضل الأكبر ليه كان في فتح باب أوائل زيارات الدهشة لما عرفنا على المغناطيس.. الاختراع اللي بيجذب ليه برادة الحديد بدون ما نحكه في راسنا زي القلم الفرنساوي وبقوة جذب أكبر بكتير منه.. كان هو ده السحر اللي تنحنا أول ما شفناه.. وكان السبب إني أبوظ التسجيل الكبير عشان اطلع منه المغناطيس اللي في السماعة بتاعته.. ويومها بردو اكتشفت إن هشام عباس لما بيغني ليلة يا ليلة مكنش بيكون موجود جوه السماعة دي فعلاً مع إن كل الدلائل كانت بتقول إن صوته جاي من ورا الشبكة الخارجية بتاعتها.. طلعت المغناطيس اللي عرفت مكانه من مدرس العلوم وكل ليلة لما كانت ورشة الحدادة اللي جنبنا بتقفل كنت بروح هناك واخد معايا المغناطيس وبرطمان العسل الفاضي وأقف قدام المنجلة المتسابة بره الورشة وألم كل برادة الحديد الموجودة وأعينها في البرطمان، ليلة ورا ليلة لحد ما البرطمان اتملى وانتهت محاولات التسلل الليلي للورشة وحلت محلها جلسات طويلة في الصالة افتح فيها البرطمان اللي كنت باشيله في شنطة المدرسة أو في دولاب الهدوم واطلع البرادة ارميها ع الأرض واجمعها بالمغناطيس.. بعد فترة اتعلمت إزاي أمغنط مسمار وأحوّله لمغناطيس صغير وجمعت عدد لا بأس بيه من المسامير ومغنطتهم واستمرت اللعبة الليلية لغاية اليوم اللي جالي فيه دور برد.. كعادة أي أم مصرية لما يصيب ابنها مكروه تبدأ بالقلق الشديد والخوف ولما تطمن إن الأمر مجرد تعب بسيط هيروح لحاله بعد شوية تبدأ في تفريغ طاقة الخوف والقلق دي في شكل غضب وتبدأ تطبيق قاعدة “كله من الزفت” ولما لم يكن عندي كمبيوتر وقتها فمكنش كله من الزفت اللي قاعد قدامه ليل نهار ولما لم يكن عندي مروحة في الأوضة فمكنش كله من الزفتة اللي بتشغلها عليك وأنت نايم فكان تشخيص ماما الله يرحمها لسبب تعبي كما هو متفق عليه في القانون السري بين الأمهات المصريات إن كله من الزفت اللي بلعب بيه طول اليوم ده وبناءً عليه وأثناء نومي ماما خدت البرطمان اللي كان فيه كل تطبيقات فصل المغناطيسية وخبته في الثقب الأسود اللي الأمهات بس بيعرفوا يخفوا فيه أي شيء مش عايزين إيدين حد تطوله.. الثقوب السوداء اللي بتضيع فيها الأشياء كل مرة وندور عليها ومنلاقيهاش فنروح جري عليهن للسؤال عنها فتقوم الأم بخبرة السنين باستخراج كل تلك الأشياء الضائعة منها وردها إلينا ردًا جميلاً مع توبيخ بسيط إننا مبنشوفش.. لما الأمهات بيروحوا عند ربنا بيتقفل علينا الـaccess للثقوب السوداء مع إن لسه لينا حاجات بتقع فيها مع الوقت ومبنعرفش نلاقيها مهما عملنا.

تلك الأيام

لي صديق يكبرني ببضعة أعوام هاتفني ذات مرة ليخبرني بمجموعة نصائح لأنني كما يقول قد اقتربت كثيرًا من سن الثلاثين، لم أنتبه لما قاله طوال المكالمة، كنت غارقًا في التفكير في تلك الجملة، أنا أكبر رغم عني ودون وعي أو استعداد، شعرت أنني -بشكلٍ ما- قد خُدِعت.

***

في دفتر يومياتي الذي لا أكتب فيه بانتظام، قرأت ما كان وعدت بذاكرتي لتلك الأيام وسألت نفسي: ماذا عن الأيام الضائعة بين التواريخ؟ ماذا حدث بها؟ بدت لي في تلك اللحظة كعمر ضائع كما غنت أم كلثوم “يحسبوه إزاي عليَ؟”

***

بين الأوراق وجدت مشاهد غير متصلة كانت مشروعًا لرواية لكنها بحاجة لصلة من نوع ما تربط بينها ليتم البناء عليها لكن الرابط لم يوجد حتى الآن.

***

منذ ثلاثة أيام أتممت عامي السادس والعشرين، أخفيت تاريخ ميلادي من فيسبوك وكافة مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، كان اختبارًا -بشكلٍ ما- لأعرف من سيذكر ذلك التاريخ وكما توقعت لم يذكره أحد إطلاقًا، لم أحب أعياد الميلاد أبدًا، ولم أحتفل بذلك اليوم، كما أنني لا أجد فيه ما يدعو للاحتفال بقدر ما يدعو للرثاء، لكنه برغم كل شيء ذكرى مهمة تخصني  كنت أود أن يوجد من أشاركه الرثاء فيه.

***

بداية كل عام تبدو موعدًا لائقًا للتوقف والنظر للوراء قليلاً والتطلع للأمام كثيرًا ليرى بعضنا ما أقدم عليه وما يرغب فيه، نحاسب أنفسنا ونضع الخطط التي لن ننفذ منها شيئًا.

***

“يا تدينا الانبهار وتوابعه، مطروح السذاجة والسهد، يا تدينا الأمان والزهد”

***

في العام الماضي كنت ذاهبًا لحفلة أم كلثوم على مسرح العرائس بساقية الصاوي، وحيدًا كالعادة، نزلت من الباص فوق كوبري أكتوبر بالخطأ ظنًا مني أنه كوبري 15 مايو، كنا في بداية الليل وفي منتصف الشتاء، لم أرغب في ركوب مواصلة أخرى ففضلت السير رغم طول المسافة نسبيًا، كنت آمل أن السير سيقوم بتصفية ذهني بعض الشيء، لم أنتبه أنني كنت أحدث نفسي بصوتٍ عالٍ إلا عندما لاحظت نظرات المارة من جواري، كنت أعنّف نفسي وأتعارك معها لفظيًا بكلمات قاسية حتى وصلت للساقية على الجانب الآخر من النهر، صعدت الكوبري وقبل أن أنزل مكثت بعض الوقت أنظر للمياه حتى انفجر ينبوع الدموع من عيني وبكيت كشلال، في تلك الليلة كان صوت الست كتربيتة على الكتف لكنه لم يكن.

***

بعد تلك الليلة سأشرب كثيرًا من مياه النيل المختلطة بدموعي، سأستشعر ملوحتها لأعلم أن ذلك الحزن لن يفني لكنه سيعيد بناء نفسه ويبدأ دورته من جديد.

***

خيبة الأمل تعتمد على سقف التوقعات، كلما ارتفع كلما كانت عظيمة تمتد آثارها وتطول، ولقد تعلمت أن أنحي كل التوقعات جانبًا لتفادي تلك الخيبة، تعلمت ألا أثق في كل قول يخبرني أن الأمور ستتحسن لأنها لا تنفك أن تزداد سوءً فحسب، أتخيل أن المواساة ستكون ذات فائدة أفضل عندما نخبر بعضنا البعض أن القادم أسوء وعلينا أن نستعد له من الآن. يبدو ذلك أكثر صدقًا.

***

“خلينا في حبكة بسيطة، متسحلناش”

***

كلما نظرت إلى نفسي في المرآة أرى طفلاً تم حبسه في جسد شاب وقلب عجوز، هذا الطفل لا يطلب شيئًا إلا أن يتحرر من سجنه ليستكمل لعبته التي قطعتها عليه الحياة دون أن يفكر في أي شيء.

مِرسالٌ تاسع: أوتار الماء

أمي الحبيبة

قرأت القصة الساحرة “أوتار الماء” في المجموعة التي تحمل نفس الاسم للكاتب الجميل محمد المخزنجي ووجدت فيها إجابة على تساؤلات كثيرة شغلتني منذ زمن، يحكي المخزنجي قصة رجل كلما فتح صنبور المياء سمع أصواتًا كأنها قادمة من بعيد، أصوات صراخ وبكاء وضحكات لأناس لا يعرفهم.. تكرر الأمر معه كثيرًا حتى أصبح يتجنب الاستحمام والتقرب من أي مصدر للمياه، حاول الرجل البحث لدى الأطباء عن علاج لحالته فلم يجد تفسيرًا معقولاً .. جرب الترحال من مكان لآخر فلم تتركه الأصوات الآدمية في حاله، لم يجد راحته إلا لدى قبيلة تعيش في غابات أفريقيا في مكان لا يعرفه أحد على الإطلاق غير أهل تلك القبيلة التي أصبح واحدًا منهم ينعم فيها بأصوات الطبيعة والسكون، بعيدًا جدًا عن أصوات الصراخ والبكاء.. كان التفسير الوحيد لحالته أن الصوت عبارة عن موجات لها طبيعة مادية، والمادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، مما يؤكد على أن الأصوات التي تصدر عنا لا تختفي بعدما تصدر إنما تظل في الفراغ تتنقل وتروح وتجيء لكنها أبدًا لا تتلاشى.

ربما تفسر تلك النظرية الأصوات التي أسمعها أحيانًا في عقلي .. ربما كانت بعض الموجات الصوتية يتم امتصاصها من خلال آذاننا ولأنها لا تفنى تبقى هنالك في مكان ما لتعاود الظهور مرة أخرى.. ربما يتغير ترددها فتنتقل من مجال الأصوات المسموعة للموجات فوق السمعية أو تحت السمعية.. ربما تتحول لموجات يقع ترددها في نطاق موجات الراديو، ربما يلتقطها الراديو ويبثها، لا أعرف حقيقة لكن تلك الفكرة يمكن البناء عليها في كتابة رواية شيقة ولكن لندع ذلك الأمر جانبًا الآن. سأحكي لكِ قصةً حدثت معي أنا وصديقي أبو بكر منذ أكثر من عشر سنوات، ولازلت حتى الآن أتجنب الحديث عنها لأنها مما لن يصدقه أحد..

كانت ليلة من ليالي الشتاء البارد، وكنا نسهر مع أصدقائنا في قرية مجاورة، تأخر بنا الوقت حتى لم نعد نجد أي سيارات تسير على الطريق لتوصلنا إلى البيت، مشينا على الطريق الزراعي المظلم، لم تخيفنا الظلمة في باديء الأمر، ربما كان الواحد منا سيخاف لو كان بمفرده، لكننا كنا سويًا، أخذنا نقطع الظلام وسكون الليل بالحديث والخطوات، كلٌ منا يضع يديه في معطفه اتقاءً لشدة البرد، لم تكن الهواتف الذكية متوفرة حينها لننير بها الظلام، سرنا وتحدثنا في مواضيع شتى، سألت أبو بكر “لما نوصل عن مدخل البلد نكمل من الطريق الزراعي ولا ندخل من عند المقابر؟” فقال “بلاش المقابر عشان بداية الطريق ده كان فيه واحد مقتول هناك” فظللت أضحك وأنا استنكر عليه تصديقه لتلك الأحاديث، بالتأكيد لن يوجد عفريت الرجل هناك ليمنعنا من السير أو يخوفنا، تحدثت كثيرًا وأثناء ذلك بدأت أسمع الأصوات، كان صوت وشيش وفحيح لا أعلم مصدره، سكت وسألت أبو بكر “أنت سامع الصوت ده؟” فقال “أنت كمان سامعه؟” وبدأ القلق يتمكن منا.. سرنا صامتين محاولين الإنصات ومعرفة مصدر الصوت.. بدأت الأصوات تتضح أكثر فأكثر حتى وضحت تمامًا.. كانت أصوات هزيج وغناء كالذي يتغنى به في الأفراح الشعبية القديمة “خارجة من بيت أبوها رايحة بيت الجيران” .. أصوات طبل وزغاريد.. أصوات فرح تصدر من مكان قريب.. نظرنا حولنا محاولين اكتشاف مصدر الصوت.. عن اليمين توجد ترعة قديمة تحولت لمصرف وبعدها أراضٍ زراعية على مد البصر.. على اليسار أراض زراعية على مد البصر.. الظلام يغطي كل شيء.. تساءلنا لو كان فرحًا قريبًا فلمَ لا نرى الأضواء؟ تساءلنا وكيف تعقد الأفراح بين الأرضي الزراعية من الأساس؟.. لم يعد هناك مجالاً للتشكيك في أن الأصوات قادمة من الترعة ..”اتدلع يا عريس يا أبو لاسة نايلون”.. أصبح كل منا يهرول بقدمين كأنهما صنعتا من أعواد المكرونة الاسباجيتي المسلوقة.. نتمتم بكل آيات القرآن التي حفظناها.. كنا مرعوبين يا أمي.. لم تكن أوهامًا.. كانت الأصوات حقيقية جدًا.. “ياللي ع الترعة حود ع المالح” .. بعد معاناة حقيقية مع الرعب وصلنا لمدخل القرية.. اتفقنا على عدم إخبار أي أحد بما حدث تجنبًا للخوض في نقاشات محكوم عليها مسبقًا بعدم التصديق.. ولكننا تحدثنا بعدما أخبرنا أكثر من شخص دون أن يعلم شيئًا عما حدث أنه منذ زمن بعيد حصلت حادثة على هذا الطريق.. مقطورة كانت تحمل الناس للذهاب إلى فرح انقلبت في تلك الترعة.. في هذا المكان تحديدًا.. ومات كل من فيها. ظننت وقتها أنها عفاريت تلك الأرواح التي ماتت في تلك الليلة البعيدة لكن الآن وفقًا لما قرأته عن أوتار الماء ربما هي أصواتهم فقط التي ظلت حبيسة المكان للأبد.. يبدو هذا تفسيرًا معقولاً ومريحًا أكثر من التفسير الأول.

الأصوات لا تفنى يا أمي.

كنت أظن في السابق أن ذاكرة الإنسان تحتفظ بالصور فقط.. أن الذكريات ما هي إلا صور محفوظة في عقولنا.. ولم أجد وقتها تفسيرًا مقبولاً للأصوات المصاحبة لتلك الصور لكن الآن اعتقد أني فهمت الأمر.. فهمت لماذا كلما دخلت المطبخ لآتي بطبق أو بملعقة اسمع صوتك في أذني “اغسلهم الأول يا أحمد عشان ممكن يكون مشي عليهم نمل ولا صراصير” فأبتسم وأغسلم جيدًا عكس ما كنت أفعل في السابق.. أصبحت أفهم لماذا كنتِ ترفعين من صوت الراديو على إذاعة القرآن الكريم ليحفظ البيت من الشرور بينما تتعصبين إذا ما قمت خفية بخفض الصوت قليلاً.

يوم السفر تحديدًا تكونين حاضرة فيه كما يجب.. في هذا اليوم كالعادة أكون في حالة يرثى لها .. بصعوبة أقوم بتوفيق زوج من الجوارب.. الملابس ومكنة الحلاقة والشاحن والهاتف والكتب وكل الأشياء الأخرى تختفي من أمامي فجأة فأتذكرك وأنتِ تجمعينها من أماكنها وتساعديني في حزم حقائبي وتصرين على أن آكل قبل أن أسافر وأن آخذ معي زجاجة مياه كي لا أعطش في الطريق .. “طب خد شوية الفاكهة دول ابقى اتسلى فيهم هناك”.. أخرج متأخرًا وكالعادة أخرج من باب وأتذكر أني تركت الحذاء على الباب الآخر فتسرعين إليه لكي تحضريها ولا تقبلين أن أرتديها قبل أن تنظفيها .. أحوال جذبها منكِ .. “يا ماما هاتي بقى اتأخرت” .. ” استنى يا حبيبي هتلبسها متوسخة كده؟” .. أسلم عليكِ وتمطرينني بالدعوات الطيبة.. “لا إله إلا الله.. خلي بالك من نفسك ومن شنطتك.. خدت البطاقة والفلوس والنضارة والمفاتيح؟ مش ناسي حاجة؟ ماشي لا إله إلا الله.. متفتحش الشباك عشان متاخدش برد.. وتقل ع نفسك بالليل واتغطى بالبطانية.. لا إله إلا الله.. خلي بالك من نفسك.. لما توصل بالسلامة ابقى طمني.. ربنا يستر طريقك ويوقفلك ولاد الحلال أنت وأخواتك واللي زيكم والمسلمين وأمة النبي أجمعين.. مع السلامة يا حبيبي.. لا إله إلا الله..”

محمد رسول الله يا حبيبتي.